ابن حمدون

456

التذكرة الحمدونية

فقالت له سلمى : إني قد استخرت اللَّه تعالى ورضيت بعهدك ، فأطلقته ورجعت إلى بيتها ، فخالفها أبو محجن إلى الفرس فأخذها وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق ، فركبها ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة ، وأضاء النهار وتصافّ الناس كبّر ثم حمل على الميسرة يلعب برمحه وسلاحه [ 1 ] بين الصفّين ، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه ، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا ، فعجب الناس منه [ 2 ] وهم لا يعرفونه ، ولم يروه بالأمس ، فقال بعض القوم : هذا من أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هشام [ 3 ] ، وقال قوم : إن كان الخضر شهد الحرب فهو صاحب البلقاء ، وقال آخرون : لولا أن الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملك بيننا ، وجعل سعد يقول ، وهو مشرف ينظر إليه : الطعن طعن أبي محجن ، والضبر ضبر البلقاء ، لولا محبس أبي محجن لقلت : هذا أبو محجن ، وهذه البلقاء ، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكرين ، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر ووضع عن نفسه وعن دابته ، وأعاد رجليه في قيده وأنشأ يقول : [ من الوافر ] لقد علمت ثقيف غير فخر بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعا سابغات وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا رفدهم في كلّ يوم وان جحدوا فسل بهم عريفا وليلة فارس [ 4 ] لم يشعروا بي ولم أكره لمخرجي الزّحوفا فإن أحبس فقد عرفوا بلائي وان أطلق أجرّعهم حتوفا فقالت له سلمى : يا أبا محجن في أيّ شيء حبسك هذا الرجل ؟ فقال :